على مدى ما يقرب من سبع سنوات متواصلة، أخفق الشّهيد محمّد الصّدر في فرض سطوته ومرجعيّته وزعامته العليا على المراجع في النّجف، على الرّغم من الدّعم المستمرّ بكافّة مستوياته من القصر الرّئاسي وجهازي المخابرات والأمن حينذاك، وعلى الرّغم من وضع مستشارين له، ومتابعة جميع ما ينفعه في هذا الصّدد، بل وحتّى مساعي بطانته لإزاحة العقبة الكؤود الّتي تقف أمام ذلك في تشرين الثّاني 1996م، أعني محاولة اغتيال السّيستاني الفاشلة، لكنّ تسنّم منصب المرجعيّة العليا للطّائفة ـ حتّى في النّجف ـ بقي حسرة بالنّسبة إلى الصّدر ومحيطه.

فكّر الصّدر في محاصرة النّجف من خارجها، والاستعانة بالجماهير الضّاغطة لفرض الأمر الواقع، فأطلق أوّل صلاة جمعة في ثماني محافظات في الرّابع والعشرين من تشرين الأوّل 1997م، في عشرين مكاناً، كان ثمانية منها في بغداد، والباقي توزّعت على: واسط، وبابل، وديالى، والمثنّى، والقادسيّة، وميسان، ونينوى.

وكان قد اعتمد على مبدأ سحب وكالاته من أيّ وكيل لديه وكالات واعتماديّات من غيره من المراجع، فلم يتبقّ معه سوى شباب لا خبرة لهم ولا تحصيل حوزويّ، لكنّهم قادرون على تثوير الشّارع لصالحه وتأجيجه ضدّ غيره.

وفي سياق بسط سيطرة وكلائه ونفوذهم على المحافظات، كفّر الصّدر كلّ من لم يُصلّ الجمعة خلفهم، وفسّق وكلاء باقي المراجع أيضاً؛ لكونهم ـ حسب دعواه ـ لم يفحصوا عن الأعلم في تقليدهم، وأبطل صلاة النّاس خلفهم، وأوجب عليهم حضور جُمع وكلائه بالولاية، وكذّب كلّ من يمتنع عن حضور الجمعة للتّقيّة؛ لأنّ الدّولة ـ وهو يمثّلها قطعاً ـ قد غضّت الطّرف حسب تعبيره، وهكذا استمرّ في نفخ وكلائه وتحريك الجموع نحو طاعتهم والتّحريض ضدّ مناهضيهم، والحقوق والموارد الشّرعيّة تترى عليه.

ولمّا رأى الأمور له متّسقة، والدّنيا له مستوسقة، أطلق صلاة الجمعة بإمامته شخصيّاً في الكوفة بتاريخ السّابع عشر من نيسان لعام 1998م، وتجنّب عقدها في النّجف في إطار عمله الممرحل الّذي يخطّط له، مدّعياً أنّه لا يُريد إحراج المراجع، وبعث برسائله إليهم بتوسّط نجله المصطفى، يدعوهم لحضور جمعته، وسيقدّمهم للصّلاة في بعضها، وهو يعلم علم اليقين بأنّهم لن يحضروا، والأسباب معروفة، لكنّ هدفه الأوّل والأخير إحراجهم والتّحريض ضدّهم.

وبعد أوّل صلاة جمعة له بأربعة أيّام، واستمرار التّحريض العلنيّ ضدّ منافسيه من المراجع، اغتال بعض من كانوا في بطانته البروجردي، وأسكنوا جسده سبع رصاصات غادرة في مساء الثّلاثاء الحادي والعشرين من نيسان 1998م، فاكتفى بقراءة الفاتحة له وببيان خجول، مدّعياً عدم معايشته له، وأنّه لا يعرف أعداءه لكي يعرف من يقف خلف ذلك أصلاً؛ بعد أن شيع بين النّاس أنّ الصّدر وأولاده وراء ذلك!!

ثمّ ملأ أفراد من البطانة نفسها رأس الغروي وجسده وذويه رصاصاً في الثّامن عشر من حزيران من العام نفسه، في عمليّة اغتيال مروّعة بعد عودة الغروي من زيارة كربلاء، فظهر في مسجد الكوفة شامتاً ليقول لجماهيره: هل نفع هؤلاء المراجع سكوتهم؟! السّاكت قُتل والنّاطق بقي رغماً على أنف من لا يرضى!! وعاد بعد شهور ليقول: وكيف يقتل الإنسان أصدقائه ويعني البروجردي والغروي، ومن كانت بينه وبينه زيارات مستمرّة وعلاقات، وكأنّه نسي ما قاله عن البروجردي قبل ذلك!!

واستمرّ الصّدر بمسلسل التّحريض، وأضحى يكرّر همزه ولمزه ضدّ السّيستاني؛ مطالباً إيّاه بالخروج من اعتكافه في البيت وممارسة درسه، وقد نما إلى مسامعه تحرّكات السّيستاني بعد مقتل البروجردي نحو السّفارة الإيرانيّة في بغداد من أجل العودة إلى إيران حفاظاً على سلامته بعد أن علم علم اليقين بأنّه الهدف القادم، وإنّ التّحريض والحثّ المستمرّ على مزاولة عمله الطّبيعي والخروج من منزله يعني صيرورته صيداً سهلاً وسائغاً لتلك العصابات الإجراميّة المعروفة، بل أحرج السّيستاني وأخذ بطانته ودخل إلى بيته؛ ليسجّل بعد ذلك حواراً صوتيّاً يقول فيه: زرت السّيستاني وكان بارداً معي!!

كانت هذه السّطور ضروريّة جدّاً لمعرفة الدّواعي الّتي كان يُبطنها الصّدر وراء نقض مرحلة التّخادم الطّويلة وقلب ظهر المجن لأولياء نعمة الأمس، والبدء بمرحلة التمرّد الممرحلة، فتفطّن وتدبّر وافهم، ولن تفهم، والله من وراء القصد.