حينما يذكر الفقهاء فتاوى في رسائلهم العمليّة، فهم يستندون في ذلك إلى أدلّة يُصطلح عليها بالمدارك أو المستندات أو المباني وما شابه ذلك من اصطلاحات؛ ولهذا كُتبت الكتب الفقهيّة الاستدلاليّة لبيان مباني هذه الفتاوى ومستنداتها ومداركها، سواء أ كانت وجوبيّة أو استحبابيّة، أو تحريميّة أو كراهة، أو حتّى برجاء المطلوبيّة.
وبعد إيضاح هذه المقدّمة المختزلة أقول: حينما ينصّ الفقهاء المعاصرون على استحباب الغسل في اليوم التّاسع من شهر ربيع الأوّل، أو ينصّون على الإتيان به برجاء المطلوبيّة، فليس هذا الحكم تشهّياً منهم، أو كلاماً أطلقوه من دون مستند؛ وإنّما تقف خلفه مدارك ومبانٍ فقهيّة ينبغي البحث عنها لمعرفة منشأ هذا الحكم ووجه إدراجه في رسائلهم العمليّة.
وطريق اكتشاف ذلك هو اطّلاع الباحث على مدوّناتهم الفقهيّة، وليس خريط الذّكاء الاصطناعي، أو ما يقرّره شعيط ومعيط وجرّار الخيط!! ولهذا تُلاحظ: أنّ من أهمّ الكتب الفتوائيّة الّتي دارت عليها بحوث الحوزات العلميّة كتاب "العروة الوثقى"، وقد كُتبت في بيان مبانيه عشرات، وربّما مئات، الشّروح والتّعليقات والتّقريرات، وعليه تدور جملة واسعة من الدّروس الفقهيّة في الحوزات المعاصرة.
وحينما نذهب إلى المدوّنات الفقهيّة نجد أنّ هذا الحكم يستند إلى رواية أحمد بن إسحاق الطّويلة، والّتي تتضمّن أنّ هذا اليوم عيد من أعياد الله؛ وذلك بسبب مقتل وهلاك عمر بن الخطّاب فيه.
ولهذا، حينما يأتي أمثال السيّد السّيستاني ويضعّف الرّواية، ومع هذا يرى أنّ الإتيان بالغسل في هذا اليوم يكون برجاء المطلوبيّة، فهذا يعني أنّ مستنده هو هذه الرّواية وليس غيرها.
وحينما نقول: إنّ السيّد السّيستاني يرى أنّ بإمكان المؤمنين الاستحمام في هذا اليوم لكونه عيداً من الأعياد احتفاءً بمقتل عمر، فنحن لم نفترِ عليه أصلاً؛ وإنّما ذكرنا المستند الرّوائي الّذي استند إليه في إصدار هذه الفتوى وكتابتها في رسالته العمليّة.
وقد نشرنا مؤخّراً دراسة استقصائيّة تتبّعيّة، حملت في ثناياها تحقيقات مهمّة في شأن ما يُسمّى بـ "فرحة الزّهراء"، وأساسها الرّوائي وتاريخها، ودور الفقهاء في شرعنتها وإضفاء القدسيّة عليها؛ فلاحظ وراجع.
ومن هنا يتبيّن أنّ جهلة السيّد لا يختلفون عن جهلة السيّد الآخر إلّا في طبيعة الجهل؛ فالجميع يشتركون في الفصل المقوّم لهم جميعاً، ويحسبون كلّ صيحة عليهم، ولا تهمّهم الحقيقة على الإطلاق بقدر ما يهمّهم الدّفاع عمّا رسموه في أذهانهم من أحلام وتمنّيات وشخصيّات. فتفطّن قليلاً تغنم كثيراً، والله من وراء القصد.


لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.