من أبرز التّسهيلات الّتي قدّمها الشّهيد محمّد الصّدر للشّباب في فترة التّبشير لمرجعيّته والإغراق في طريقة نشرها: تسويغه الغشّ في المدارس والجامعات الأكاديميّة. وهي فتوى مشهورة معروفة لم تقتصر على نصّ متشابه مغمور هنا أو هناك، بل وردت فيها نصوص محكمة منشورة ومشهورة، لا غبار على دلالتها، وشارك في نشرها وترويجها وممارستها عدد كبير من المشايخ من مقلّديه ووكلائه في الدّراسات المسائيّة أيضاً، وكانوا يثقّفون نحوها؛ وهو أمر ساهم في جذب الشّباب إليه آنذاك، وجعل بعضهم يحوّل تقليده إليه، ويُبشّر بأعلميّته أيضاً.
وهذه الفتوى لم تكن وليدة اضطرار أفضى إليها، أو لحاظ وضع حكوميّ قائم بغية إسقاطه أو دفع ظلمه مثلاً كما قد يروّج بعض السُّذّج؛ بل هي ممارسة فقهيّة طبيعيّة تنطلق من رؤية مفادها أنّ أدلّة حرمة الغشّ مختصّة بالبيع والشّراء، ولا تشمل مثل هذه الأمور أصلاً، فضلاً عن عدم إدخالها تحت عناوين محرّمة أخرى. وألسنة أجوبة الاستفتاءات واضحة وصريحة، ولا تحتمل مثل هذا التّأويل.
لكن لنقرأ معاً ما خلّفته هذه الفتوى من فساد ما بعده فساد، ولنصغِ بعد ذلك إلى إجابة الشّهيد نفسه عن ذلك؛ لنكتشف من خلال هذا النّصّ عمق الأزمة، والميكافيليّة المفزعة الّتي كانت تحكم تحرّكاته رحمه الله.
قدّم له طالب في كلّيّة الآداب المسائيّة، قسم الّلغة العربيّة، في جامعة بغداد استفتاءً يكشف عن تفاصيل خطيرة جدّاً، بتاريخ الاثنين 19 أيّار 1997م، الموافق 12 محرّم 1418هـ، وسنضطرّ إلى نقله بطوله؛ لما فيه من جدوى كبيرة تُلقي بظلالها على الآثار الّتي ولّدتها فتوى سماحته في جواز الغشّ في المدارس الحكوميّة.
جاء فيه: سماحة آية الله السيّد محمّد الصّدر دام ظلّه، السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: أرجو إكرامي بالجواب على بعض الأسئلة المتعلقة بالغشّ في الامتحان؛ فقد درج البعض بالتحدث عن حلّية هذا العمل وأنّه نوع من المساعدة. وهذه الأصوات من بعض مشايخ الحوزة العلميّة الموقّرة. والذين يشاركونني الدّرس في كلّية الآداب المسائيّة. [ويُمكن من خلال تاريخ الاستفتاء معرفة من كان طالباً في تلك الكليّة]. علماً أنّ حالات الغشّ في الامتحان عديدة ومتنوعة، منها على سبيل المثال:
١ ـ الكتابة على الجدران أو الكراسي، أو إدخال أوراق جاهزة أو مصغّرة تتضمّن مادة الامتحان.
٢ ـ إدخال الجواب من خارج القاعة الامتحانيّة بواسطة أحد الزّملاء أو من تحت الباب للّذي يجلس قريباً من الباب.
٣ ـ بالنسبة للبنات، فمنهن من تكتب على أحد أعضاء جسمها ممّا يعرضها للإحراج في حالة كشف الغشّ.
٤ ـ المشايخ الزّملاء يقولون إنّ هذا ليس غشاً، والغشّ في البيع والشّراء فقط. فما هي المفردة العربية الّتي تصف هذا العمل؟
٥ ـ رغم اكتشاف محاولات عديدة للغشّ، فلم يعاقب مرتكب هذا الفعل، فهل يأثم كلٌّ من المعاقِب والمعاقَب؟
٦ ـ إذا سمحتُ لأحدهم أن ينظر لورقتي في الامتحان فهل يترتب عليّ إثمٌ؟
مع ملاحظة إن لفت الانتباه أمام الطلبة يُسبب حرجاً شديداً للبعض من الطلبة، ويعتبر إهانة بالغة لهم.
٧ ـ هل الغشّ حلال؟ هل هو حرام؟ أم جائز؟ أم مكروه؟
٨ ـ هل يأثم مرتكبه؟ وهل يأثم من يعطي أو يساعد بوسيلة من الوسائل؟
أرجو أن تتفضلوا عليَّ بهذا الفضل الكبير وهو أن تجيبوا على هذه الأسئلة، وأسأل الله تعالى أن يجزيكم من الجزاء بأحسنه، ويمنّ عليكم بالعافية في دينكم ودنياكم وآخرتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عبد علي حسن كلّيّة الآداب المسائيّة قسم الّلغة العربيّة.
فكان جواب الشّهيد محمّد الصّدر بخطّ يده ما يلي:
"بسمه تعالى: ذلك جائز في الدّول المتعارفة وليس غشاً حقيقياً، والمساعدة عليه جائزة، والعقوبة عليه غير جائزة، وأخذ الأجرة عليه برضا الطرف جائزة. يستثنى من ذلك ما إذا كان هناك ضرر على المجتمع من التخلّف العلمي للطلّاب". [مسائل وردود: ج5، المطبوع حديثاً، المسألة رقم: 682، ص274].
**وفي الحقيقة، إنّ هذه الميكافيليّة الخطيرة الّتي انتهجها الشّهيد محمّد الصّدر "رحمه الله" أفضت إلى نتائج خطيرة جدّاً؛ إذ لم يكن يفكّر بعواقبها بالمرّة بقدر ما كان يفكّر بالنّتائج الآنيّة الّتي تحقّقت بسببها، وفي مقدّمتها كثرة خفق النّعال خلفه.
وكان يحسب "رحمه الله" فيما يبدو: أنّ الحياة ستمنحه عمراً طويلاً يستطيع معه تصحيح الأخطاء الّتي ولّدتها هذه النّظرة الميكافيليّة لاحقاً؛ لكنّ الأجل حصده سريعاً، فخلّف وراءه آفات مستفحلة يصعب الخلاص منها؛ لأنّ جماهيره تتعامل معه بعصمة مطلقة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ولا تريد أن تفكّر حتّى في احتمال وقوعه في الخطأ البسيط، والعرف ببابك كما يقولون؛ فليُتأمّل قليلاً يُغنم كثيراً، والله من وراء القصد.



لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.